غسان فوزى طه

11

شيعة لبنان ( العشيرة - الحزب - الدولة ) ( بعلبك - الهرمل نموذجاً )

بتضحيات كبيرة ، بمعزل عن الارتباطات التقليدية . الاتجاه التحديثي : إن دخول التصنيع إلى المجتمعات القبلية بما يترتب عليه من انعكاسات في إحلال أنواع من الارتباطات الجديدة ، يبدو غير كاف بنظر بعض الدارسين . فبنظر عالم الأنتربولوجيا كيلفورد غيرتز الذي صيغت عن طريقه مقولة : « الوشائجية » ، يرى غيرتز خلاف غيره ، أن معطيات الهوية الوشائجية كهوية محددة ، تتحول إلى وسيلة للصراع السياسي لارتباطها بالتحديث . فكل أبعاد التحديث تميل في البداية إلى عدم تخفيف وتيرة العواطف « الوشائجية » وإنما إلى تسريعها . وقد شدد على بعدين من أبعاد التحديث الكثيرة : الأول « إدخال جائزة قيّمة » إلى المجتمع « يتم التقاتل عليها » أي الدولة ، والثاني تأسيس حق الانتخاب العام الذي جعل إغراء مخاطبة الجماهير بالتماس الولاءات التقليدية ، لا يقاوم « 1 » . لقد قدم غيرتز لعالم الأنتربولوجيا الذي يهتم بقدرة الرموز على تشكيل السلوك الإنساني ، رؤية تفترض أن القوة الدافعة وراء كل الارتباطات التقليدية هي السلطة والسيطرة . ولكن إذ يقدم غيرتز أن عالم الهويات التقليدية هو نتاج قرون من التبلور ، وأن الناس يحيون مع عدة هويات دينية واثنية واقتصادية ، غير أنه لم يفسر كيف تصبح هوية معينة مسيسة دون غيرها ، ولا كيف تولد المزايا الذاتية كهوية معينة شكلا آخر من أشكال التسييس ؟ إزاء الرؤية الاختزالية هذه ، برز اتجاه آخر أثار تلك التساؤلات بوجه « الوشائجية » هو اتجاه « الذرائعيين » . لقد شدّد هؤلاء على تنوع الارتباطات التقليدية وليونتها ، بالمقارنة مع رؤية « الوشائجيين » الساكنة والأحادية البعد . ولذلك فإن دراساتهم عن الهوية القبلية واللغوية والدينية ، كشفت عن أن أفرادا وأحيانا مجموعات بأكملها ، يتخلون عن هوية لصالح مجموعات أخرى ، أو ينسبون فقط منطقا ثقافيا ووزنا سياسيا لهوية أخرى . فاختيار أحد الارتباطات ، هو خيار « عقلاني » وأن « المتعهدين السياسيين » يستطيعون تسييس الهويات التي كانت في السابق ثقافية فحسب ، عن طريق إظهار المنافع المادية للتماهي مع قبيلة معينة أو دين ، أو مجموعة لغوية « 2 » . السلطة والضرورة : وجد أصحاب هذه النظرية ، أن السلطة هي ضرورية في المجتمعات البدائية لارتباطها بوظيفة الدفاع عن المجتمع ضد ضعفه الخاص . فعند ما تتجاوز العلاقات الاجتماعية صلات القرابة ، يقوم بين الأفراد والجماعات « تنافس » ظاهر تقريبا ، بحيث يسعى كل واحد إلى توجيه قرارات

--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 186 . ( 2 ) دانيال برومبرغ ، التعدد وتحديات الاختلاف ، ترجمة عمر الأيوبي ، دار الساقي ، بيروت 1997 ، ص 11 .